سيد محمد طنطاوي
353
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد جاء التعبير بقوله - تعالى - : * ( وما أَدْراكَ . . . ) * ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم ، كلها جاء الخبر بعدها - كما هنا - ، وكما في قوله - تعالى - وما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ وكما في قوله - سبحانه - : وما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ . يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً . . إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها ، وهي قوله - تعالى - : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ . . . أما التعبير بقوله - تعالى - : وما يُدْرِيكَ . . فقد جاء ثلاث مرات ، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات . قال - تعالى - : وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً . وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّه يَزَّكَّى . قال القرطبي : قال سفيان : كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبر به ، وكل شيء قال فيه : وما يدريك ، لم يخبر به . وقوله * ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) * بيان وتفسير للطارق ، والثاقب . أي : المضيء الذي يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه ، ويبدده . والجملة الكريمة مستأنفة ، وهي جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله ، كأنه قيل : وما هو الطارق ؟ فكان الجواب : هو النجم الثاقب . وقوله - سبحانه - : * ( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ) * جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به . . والحافظ : هو الذي يحفظ ما كلف بحفظه ، لمقصد معين . أي : وحق السماء البديعة الصنع ، وحق النجم الذي يطلع فيها فيبدد ظلام الليل ، ما كل نفس من الأنفس إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله ، سواء أكان هذا العمل خيرا أم شرا . قال الإمام الشوكاني ما ملخصه : قرأ الجمهور بتخفيف الميم في قوله : لما ، فتكون « إن » مخففة من الثقيلة ، فيها ضمير الشأن المقدر ، وهو اسمها ، واللام هي الفارقة - بين « إن » النافية ، و « إن » المخففة من الثقيلة - وما مزيدة . أي : إن الشأن كل نفس لعليها حافظ . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم في قوله * ( لَمَّا ) * ، فتكون « إن » نافية ، و « لما » بمعنى إلا . أي : ما كل نفس إلا عليها حافظ . والحافظ : هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها . وقيل : الحافظ هو اللَّه - تعالى - وقيل : هو العقل يرشدهم إلى المصالح .